الثلاثاء، 29 أكتوبر 2019

مثقف بطعم القهوة


لا فضل لتركي على عربي..كلها قهوة! 
فمهما تعددت البدائل الاختيار يؤول لواحد وقد لا يؤول مطلقًا.

راودتني هذه الجملة وأنا أحتسي فنجانا من القهوة العربي بدلا عن نديمتها التركية، ضحكت من كوننا جميعًا نتباهى  دون ذكر نوع القهوة المقدس موعد ارتشافها صباحًا، والتي بطبيعة الحال تضفي هالة ما من العمق والثقافة والفكر على أصحاب هذه العادة اليومية، فماذا لو قلت لزملائي الأدباء أنها قهوة عربي وليست تركي، أترى نظرتهم نحوي بعدها قد تتغير؟! حملت التوقع على محمل الاستهزاء وقلت لنفسي ربما حينها يطلقون علي لقب "مثقفة بطعم القهوة العربي"

قفزت إلى ذهني فكرة الجمع بين الأختين قيد كنكة واحدة ففي فقه البطون لا ضير! استعرت من الوقت بعض دقائق غير قابلة للرد كيما أتأمل فنجاني المفضل بمزيجه الجديد الذي ربما لا أستسيغه كطعم لكن سأجني من ورائه مكانة عظيمة وإن خلتها تندرية على الغالب.
لكن  الريبة هنا -بعد أن ارتضت الكنكة جمعهما- هل الفنجان الذي حمل بداخله النوعين كلا على حده يومًا ما، سيرتضي بالجمع المرتقب؟! ربما..

تلاحقني نفسي بالأسئلة تباعًا دون استماع لما أطرحه أنا بجهوريتي الضاحكة قبلها، آملة أن أهديها جوابًا؛ فتقول:
هل النزوح إلى البديل الذي يراود المرء  نابع من تحفيز نفسي داخلي حقيقي يستحق لإخضاعه للتجربة الشخصية وسبر أغواره لمعرفة كنهه ومدى قابليته لموافقة أهوائنا، أم أنه طرح خارجي عن حدودنا الذاتية تدفع به الحياة لنا نحن الواقفين على شطآنها نتأملها فهمًا وإدراكًا؟

بعد اتخاذ مسلك الجدية، وبتفكر يسير كان النتاج :
حقا لا أعلم الإجابة فالاختيار بين البديلين المطروحين من أصعب ما يكون، كلاهما من الوارد أن يكون الإجابة الصحيحة.
لم أترك طرف الخيط من يدي وتابعت إجابتي الغير شافية  بسؤال ربما يحفظ ماء وجهي بعد هذا التيه الذي اعتراها:
يبدو أنكِ قد استرعى انتباهك فكرة مزج القهوتين معًا في آن واحد بنفس الفنجان، أنا أمزح في خيالاتي، فأي نفس تستسيغ الناتج عنهما؟

جاءت إجابتها سريعة ولم تقع في بئر اللئلئة التي أردت إيقاعها به: نعم لا بأس بالجمع، الأمر ليس بالعسير ولا بالسئ؛ لطالماذائقتك ترتضي ذلك وتستمتع به بل ويولد لديها شعور بالتميز بهذا الاستثناء الذي جمع بين بديلين كلاهما يحمل نفس التصنيف.

أخذني الامتعاض من هذه الإجابة الممتلئة بالعك، وسرحت بفكري في منحى آخر لأطرح سؤال بدائليًا جديدًا، انطلاقا من غريب ردّها :إذن هل يجوز أن نبادل بين صلاتين من صلوات الفروض، كأن أصلي العصر ثلاثا والمغرب أربعا! استنادًا إلى أن حاصل جمع عدد الركعات لن يتغير سواء أبدلت أو أبقيت الحال على أصله، وبانتهاء اليوم أقول لقد أتممت فروضي بأريحية تامة، فمهما تعددت البدائل النتاج واحد.

حدقت بي، ترميني بشرر الوزر، والتخوف من مقالي وهي تضرب كفا بكف قائلة: أجننتِ المعضلة هنا ليست في إحصاء عدد ولا في ذائق نفس، المعضلة هنا أنك أمام فقه رباني محكم التشريع لا تدخل فيه بفكرة الاختيار، ولا بالرغبة النفسية وعزوفها، هنا تخرين راكعة بما أمرتِ بكيفية الأداء المبين لك قرآنا وسنة، مهذِّبة ذائق روحك الناشذ حتى وإن وصل بك الأمر إلى الهجر في الجسد، وملجمة فم تفكيرك الثرثار .

قلت: حسنا، فلندعنا من هذا المنحى الذي أوردت سؤاله وأنا أروم استنكاره لا استفساره؛ أعرف جيدًا أن افتراض البدائلية  محسوم فيه الرفض كلية وتفصيلًا، ولكن دعيني أعرج بك إلى منحى ثالث يختص بالمشاعر وأسألك عن شيء ثالث : المشاعر.. لأي من القاعدتين القهوة أو الصلاة يمكن إخضاعها؟!

قالت بجدية مبالغ فيها: يا عزيزتي الأمر هنا أكثر تعقيدًا، والتعقيد نابع من الاحتمالية التعددية التي تحمل أكثر من جواب يلغي مقدمة المقال، والتي أراها في أغلبها تحمل على عاتقها مهمة الأذى لأصحابها؛ ستجدين في مذهب البعض كل البدائل الشعورية والخيارات الحسية متاحة إلى حد لا قدرة عندي بوضع سقف له ينتهي عنده، وعند مذهب آخر لها من القداسة ما تعادل قداسة الفرض الذي قطعنا باستحالة إخضاعه لقاعدة البدائلية؛ فلا تبديل ولا تعديل لطالما أمر الفؤاد بأدائها على وجها الذي نبض به، وحدد نظم سيرها في خلجات الجسم، وأطرها بمسمى بعينه تحفظه الذاكرة عن ظهر حرف، فكلما بزغ سنا الشعور تجلى المسمى بكامل معانيه أثناء التعامل.

قلت: لذا على الرغم من شطط الأول، وتشريعية الثاني يدور العجز عن الحسم دورات حول النفس كيما يجهدها ثقلا حتى تنخ جاذًّا جيد تفكرها بسيف اللاقدرة التعددية الدائمة.

 قالت راغبة التفنيد: ما أسلفته أنا بشأن الشعور لا يعبر بالقطع عن رؤيتي، لكنه رصد لواقع بعين متفحصة للدواخل، راصدة ما وراء النبض.
أما عن رؤيتي الخاصة فإنه يتساوى الثلاث " القهوة، الفروض، المشاعر" في مقام التبديل، رغم اختلاف مقام كل منهم في القيمة الذاتية على حده، وهذه الرؤية قناعة شخصية منبثقة من ثلاث.. "اشتهاء ذاتي، وإيمان عقائدي، وقناعة حسية" ومن ثم يبقى لكل نفس منا حاكمها الذي بمقتضى التبعية له تدور إمكانية التبديل بالصورة التي تتفق ودستوره المسير لها.

• ففي الأول لن أجرح معدتي بالعك، بل لم أضع إحداهما بديلا للأخرى مطلقا ساعة اشتهاء؛ إذ لا أطيق احتساء القهوة التركي فهي تؤلم معدتي وتثير غثياني.

 •أما الثاني فلن أكفر بالفرض المشرع بأمر إلهي وسؤالي نفسه محض سفسطة لا طائل منها يطرحها علينا الملحدون في نقاشاتهم العقيمة الجانحة إلى الجدال من أجل الجدال إرضاء لهوى أنفسهم المريضة.

•والثالث فأنا امرأة تجيد تأطير مشاعرها جيدا، وذلك ليس لعظيم فكر بقدر ما هو انصياع لأمر قلب حكيم يعلم جيدا لقب كل نبض ينبضه دون أن يخلط هذا بذاك، فكل خفقان ميسر لما يحن له من شخوص.

قلت لها والآن أراني من الواجب كبح جماح التخيل الذي لا طائل منه؛ إذن مهما تعددت البدائل فالاختيار العدم!
قالت: بل أرى أن الأوجب طمس المقال بسكب فنجان القهوة الذي برد ولم تتذوقيه بعد واتباع الحاكم الذي بداخلك وصناعة فنجان آخر يكون مزيجًا من كليهما استجابة لمخيلتك الهازئة، لكن قبل ذلك أود أن سألك:هل لديكَ قهوة تركي في مطبخك من الأساس؟

نهلة الهبيان

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أرجوك عانقني ❤ خبرينِى أىُّ حلمٍ هذا الذى ينتزعني وإيانا سيرحل عن الطريق خبرينى فقد نزف العمر مني وبت ضائع وحدى شريد كفاك صمتٌ...